البيانُ في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن (5)

    طباعة المقال  طباعة المقال

    هذه آية أخرى تنضاف إلى جملة الآيات السَّابقة المرقومة على صفحات هذه المجلَّة الغرَّاء في أعداد مضت، والَّتي سيقت في معرض الاستدلال أو الاستشهاد بها على معان وأحكام معيَّنة؛ لكن على وجه غير صحيح أو مرجوح أو قاصر، مع التَّوسُّع في عرض أقوال المفسِّرين وتمييزها والمقارنة بينها ومناقشتها، سائلين الله تعالى أن يلهمنا السَّداد والصَّواب وأن يجنِّبنا الزَّلل وسوء الفهم في مقاصد كتابه وأحكامه.

    * الآية الخامسة:

    ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) ﴾ [البقرة].

    * وجه الخطأ:

    قصر معنى لفظة «السِّلم» في الآية على الصُّلح والمسالمة أو ترجيحه([2]) على المعنى الصَّحيح الَّذي هو «الإسلام».

    هذه الآية يجعلها قوم محلَّ استشهاد واستدلال عند دعوة الخصوم من المسلمين إلى إجراء الصُّلح والنُّزوع إلى المسالمة والموادعة بعد الحرب والقطيعة، ويُفرِط آخرون فيجعلونها دعوة لغير أهل الإسلام أن يصطلحوا مع المسلمين إقرارًا منهم بالجامع المشترك الَّذي يربطهما ـ وهو الدِّيانة أو الإيمان ـ دون النَّظر إلى كونه حقًّا أو باطلًا ـ وذلك باعتراف كلِّ أهل دين بدين الآخر([3])!

    والحقُّ أنَّ لفظة «السِّلم» الواردة في الآية هي بمعنى الإسلام بجميع شرائعه، وإن كانت تدلُّ على معنى الصُّلح، لكن بتقييد معيَّن([4])، وهو قولٌ لبعض المفسرين.

    * وبيان هذا من وجوه عدَّة:

    أوَّلًا: أنَّ تفسير السِّلْم بالإسلام هو قول جماهير المفسرين([5]) من السَّلف والخلف، وأكثر المعاصرين.

    ذكر منهم ابن جرير في «جامع البيان» (3/597):

    «عبد الله بن عبَّاس ب ومجاهد وقتادة والسّدِّي وابن زيد والضَّحَّاك».

    وزاد عليه ابن كثير في «تفسيره» (1/569): «طاوس وعِكْرِمَة»، وزاد ابن الجوزي (1/225): «ابن قتيبة والزّجَّاج».

    ثانيًا: أنَّ من المفسِّرين من اقتصر على هذا المعنى وحده دون غيره (أي تفسير السِّلم بالإسلام)، ومن هؤلاء:

    ـ عبد الرَّزَّاق الصَّنعاني في «تفسير القرآن العظيم» (1/98).

    ـ ابن أبي زمنين في «تفسير القرآن العزيز» (1/214).

    ـ أبو المظفّر السَّمعاني في «تفسير القرآن العظيم» (1/209 و210).

    ـ البغوي في «معالم التَّنزيل» (1/183).

    ـ القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (3/22).

    ـ ابن تيمية في «المجموع» (7/266).

    ـ ابن كثير في «تفسير القرآن العظيم» (1/569).

    ـ الجلال المحلِّي في «حاشية الصَّاوي» (1/95).

    ـ الشَّوكاني في «فتح القدير» (1/410).

    ـ الألوسي في «روح المعاني» (2/97).

    ـ صدِّيق حسن خان في «فتح البيان» (1/419).

    ـ ابن السِّعدي في «تيسير الكريم الرَّحمن» (1/164).

    ـ محمَّد حسنين مخلوف في «صفوة البيان» (ص49).

    ـ ابن عثيمين في «تفسير سورة البقرة» (3/6).

    ـ عبد المنعم تعيلب في «فتح الرَّحمن في تفسير القرآن» (1/242).

    ثالثًا: أنَّ من المفسِّرين المعتنين بجمع أقوال المفسِّرين من السَّلف وغيرهم لم يذكروا من فسَّر «السِّلم» بالصُّلح في الآية المذكورة، ومن هؤلاء:

    ـ الماوردي في «النُّكت والعيون» (2/267).

    ـ ابن الجوزي في «زاد المسير» (1/255)، وكلاهما فسَّرَا السِّلم بمعنيين؛ الأوَّل: الإسلام، والثَّاني: الطَّاعة.

    ـ ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (7/266)، وبيَّن في هذا الموضع أنَّ تفسير السِّلم بالإسلام وبالطَّاعة هما بمعنى واحد وعبارته: «وكلاهما حقٌّ؛ فإنَّ الإسلام هو الطَّاعة كما تقدَّم أنَّه من باب الأعمال».

    ـ السُّيوطي في «الدُّرِّ المنثور» (2/491).

    رابعًا: أنَّ صرف معنى السِّلم إلى الإسلام يقتضيه مضمون الخطاب، فالآية موجَّهة للمؤمنين بدليل الخطاب: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾، وسواء قلنا: إنَّ المراد بالمؤمنين من آمن بمحمَّد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، أو قلنا: إنَّ المراد من آمن بمن قبل محمَّد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء والمصدِّقين بهم المنكرين لنبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم.

    فالَّذي يقتضيه الخطاب الدَّعوة إلى الدُّخول في الإسلام، لا المصالحة والمسالمة الَّتي غالبًا ما يؤمر بها من كان محاربًا بترك الحرب والنُّزوع إلى السِّلم، ثمَّ لا معنى أن يقال لهم: ادخلوا في صلح المؤمنين وهم أهل إيمان، وقد جلَّى هذا المعنى في غاية البيان ابن جرير في «تفسيره» (3/598) حيث قال: «وإنَّما اخترنا ما اخترنا من التَّأويل في قوله: ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ﴾، وصرَّفنا معناه إلى الإسلام؛ لأنَّ الآية مخاطب بها المؤمنون، فلن يعدو الخطاب ـ إذ كان خطابا للمؤمنين ـ من أحد أمرين:

    إمَّا أن يكون خطابًا للمؤمنين بمحمَّد المصدِّقين به وبما جاء به، فإن يكن ذلك كذلك؛ فلا معنى أن يُقال لهم وهم أهل الإيمان: ادخلوا في صلح المؤمنين ومسالمتهم؛ لأنَّ المسالمة والمصالحة إنَّما يؤمر بها من كان حربًا بترك الحرب، فأمَّا الموالي فلا يجوز أن يقال له: صالح فلانًا ولا حرب بينهما ولا عداوة.

    أو يكون خطابًا لأهل الإيمان بمن قبل محمَّد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المصدِّقين بهم وبما جاءوا به من عند الله، المنكرين محمَّدًا صلى الله عليه وسلم ونبوَّته، فقيل لهم: ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ﴾ يعني به الإسلام لا الصُّلح؛ لأن الله عزَّوجل إنَّما أمر عباده بالإيمان به وبنبيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وإلى ذلك دعاهم دون المسالمة والمصالحة، بل نهى نبيَّه صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى السِّلم، فقال: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [محمد: 35]، وإنَّما أباح صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال إذا دعوه إلى الصُّلح ابتداء المصالحة، فقال له جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ﴾ [الأنفال:61]، فأمَّا دعاؤهم إلى الصُّلح ابتداء فغير موجود في القرآن؛ فيجوز توجيه قوله: ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ إلى ذلك» اهـ.

    خامسًا: أنَّ الوجه الأولى في قراءة لفظ «السِّلم» في الآية أن يكون بالكسر([6])؛ لإفادته معنى الإسلام قطعًا ومعنى الصُّلح احتمالًا، وحمله على معنى الإسلام أولى وأغلب من الصُّلح والمسالمة؛ لأنَّ صلاح الأمر ودوامه إنَّما هو بالدُّخول في جميع شرائع الإسلام، وفي هذا يقول ابن جرير في «تفسيره» (3/597): «وأمَّا الَّذي هو أولى القراءتين بالصَّواب في قراءة ذلك، فقراءة من قرأ بكسر السِّين؛ لأنَّ ذلك إذا قرئ ـ كذلك وإن كان قد يحتمل معنى الصُّلح ـ، فإنَّ معنى الإسلام ودوام الأمر الصَّالح عند العرب أغلب عليه من الصُّلح والمسالمة، وينشد بيت أخي كِنْدَة:

    دعوت عشيرتي للسِّلم لما   رأيتهم تولَّوا مدبرينا

    بكسر السِّين، بمعنى: دعوتهم للإسلام لمَّا ارتدُّوا وكان ذلك حين ارتدَّت كندة مع الأشعث بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ».

    وممَّا يعزِّز قول ابن جرير هذا: استشهاده بقراءة أبي عمرو بن العلاء في كسره لسين السِّلم في هذه الآية دون سواها وفتحه لسين السِّلم الواردتين في سورتي الأنفال ومحمَّد، قال رحمه الله في «تفسيره» (3/598): «وقد كان أبو عمرو ابن العلاء يقرأ سائر ما في القرآن من ذكر «السِّلم» بالفتح، سوى هذه الَّتي في سورة البقرة فإنَّه كان يخصُّها بكسر سينها؛ توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلام دون ما سواها»([7]).

    سادسًا: أن «السِّلم» بمعنى الإسلام وارد في كلام العرب وأشعارهم وهو الأغلب في دعوة قبائلهم وعشائرهم عند مجيء الإسلام من الصُّلح والمسالمة، لما في ذلك من صلاح أمورهم واستقامة أحوالهم، قال الأحوص([8]):

    فذادوا عدو السِّلم عن عقر دارهم   وأرسوا عمود الدِّين بعد التَّمايل

    وقال امرؤ القيس الكندي([9]) داعيًا قومه إلى الإسلام:

    دعوت عشيرتي للسِّلم لـمَّـا
    فلست مبدلًا بالله ربًّا
      رأيتهم تولَّوا مدبرينا
    ولا مستبدلًا بالسِّلم دينًا

    وقال آخر([10]):

    شرائع السَّلم قد بانت معالمها   فما يرى الكفر إلَّا من به خبل

    قال ابن السّمين الحلبي في «الدُّرِّ المصون» (2/359) بعد أن أورد هذا البيت بفتح سين السِّلم والبيت الَّذي قبله ـ وهو لامرئ القيس ـ بكسر سين السِّلم: «فالسِّلم والسَّلم في هذين البيتين بمعنى الإسلام، إلَّا أنَّ الفتح فيما هو بمعنى الإسلام قليل».

    سابعًا: أنَّ سياق الآية وسباقها ولحاقها يعين على المعنى الَّذي اختاره الجمهور في تفسير «السِّلم» بالإسلام ويتناسب معه، ومراعاة دلالة السِّياق يندفع بها الإشكال عند التَّفسير([11]) وتوضيح هذا أنَّ الآيات الَّتي قبل هذه الآية جاءت في معرض ذمِّ المنافق السَّاعي إلى الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنَّسل، فناسب أن يأتي بعده بما يضادُّ ذلك من أمر المسلمين بالدُّخول في الإسلام والأخذ بجميع شرائعه وأن لا يكونوا كالمنافقين المؤمنين ببعض الكتاب الكافرين ببعضه الآخر، ثمَّ ما جاء في الآية نفسها من التَّحذير من اتِّباع خطوات الشَّيطان فهو مناسب ـ أيضًا ـ للأمر بالدُّخول في الإسلام كافَّة، والقاعدة في التَّفسير «أنَّ القرينة في الآية تدلُّ على ما استغلق منها»([12]).

    فاتِّباع خطوات الشَّيطان هو العمل بما خالف أحكام الإسلام وشرائعه، ولذا قال ابن جرير في «تفسيره» (3/603): «وطريق الشَّيطان الَّذي نهاهم أن يتَّبعوه هو ما خالف حكم الإسلام وشرائعه، ومنه تسبيت السَّبت وسائر سنن أهل الملل الَّتي تخالف ملَّة الإسلام».

    وقال الشَّيخ ابن سعدي في «تيسير الكريم الرَّحمن» (1/165): «ولمَّا كان الدُّخول في السِّلم كافَّة، لا يمكن ولا يتصوَّر إلَّا بمخالفة طرق الشَّيطان قال: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾».

    وليتأمَّل بعد هذا في قوله تعالى بعد الآية الَّتي أمر فيها بالدُّخول في السِّلم كافَّة وهو قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) ﴾ [البقرة]، فلفظ «زللتم» بمعنى ضللتم وأخطأتم الحقَّ وخالفتم الإسلام وشرائعه([13])، وفسَّره بعضهم بالشِّرك([14])، والكلُّ مناسب لمقابلة لفظ «السِّلم» الَّذي بمعنى الإسلام، ثمَّ قوله أيضًا: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾، والبيِّنات ما جاء به محمَّد صلى الله عليه وسلم أو هو الإسلام والقرآن على ما ذكر غير واحد من المفسِّرين([15]) أو أنَّها «الآيات الظَّاهرة على أنَّ ما دعيتم إلى الدُّخول فيه هو الحقُّ»([16]).

    ثامنًا: أنَّ أصل كلمة «السِّلم» عائد إلى الانقياد، قال الله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) ﴾ [البقرة]، وأصل كلمة «الإسلام» راجع إلى هذا المعنى أيضًا، وحتَّى من قال: إنَّ اسم «السِّلم» غلب على الصُّلح وترك الحرب باعتبار أنَّه عند الصُّلح ينقاد كلُّ واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه([17])؛ فإنَّ تفسير «السِّلم» بـ «المسالمة والوفاق يتوقَّف على الوجه الأوَّل ـ أخذ الدِّين بجملته ـ؛ لأنَّه أمر برفع الشِّقاق والتَّنازع وبالاعتصام بحبل الوحدة، وشدِّ أواخي الإخاء، ولا يرتفع الشَّيء إلَّا برفع أسبابه، ولا يستقرُّ إلَّا بتحقُّق وسائله، وهو بمعنى قوله تعالى : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾ [الأنفال: 46]، وقوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ أَعْنَاقَ([18]) بَعْضٍ» رواه الجماعة كلُّهم»([19]).

    ثمَّ لا ضير أن يسمَّى الإسلام صلحًا، قال أبو الحسن الواحدي النَّيسابوري (ت: 468) في تفسيره «الوسيط في تفسير القرآن» (1/313): «والمراد بالصُّلح: الإسلام؛ لأنَّ الإسلام صلح، ألا ترى أنَّ القتال من أهله موضوع (أي متروك)، وأنَّهم أهل اعتقاد واحدٍ ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فسمِّي الإسلام صلحًا لما ذكرنا» اهـ.

    تاسعًا: أنَّ أمر المؤمنين بالدُّخول في الإسلام لا يعدُّ إشكالًا([20]) وليس من تحصيل الحاصل([21]) بحجَّة أنَّ الإيمان هو الإسلام أو أنَّ الإيمان أكمل من الإسلام؛ لأنَّه إذا قلنا: إنَّ الإيمان هو الإسلام فهو أمر بالاستمرار عليه وعدم الإخلال بشيء منه، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ ﴾ [النساء: 136]، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ [الأحزاب: 1]، والقاعدة في التَّفسير أنَّ «ما أمر الله به في كتابه إمَّا أن يوجَّه إلى من لم يدخل فيه، فهذا أمر له بالدُّخول فيه، وإمَّا أن يوجَّه لمن دخل فيه، فهذا أمره به ليصحِّح ما وُجد عنده منه، ويسعى في تكميل ما لم يوجد منه»([22])، والخطاب الموجَّه للمؤمنين بالدُّخول في الإيمان من قبيل الثَّاني، فتنبَّه.

    وقد قال صاحب «التَّحرير والتَّنوير» مجلِّيًا هذه القاعدة (2/277): «فإنَّ الخطاب بـ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ وأمر المؤمنين بالدُّخول في الإسلام يؤوَّل بأنَّه أمر بزيادة التَّمكُّن منه والتَّغلغل فيه؛ لأنَّه يقال: دخل الإيمان في قلبه إذا استقرَّ وتمكَّن، قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾.

    وقال النَّابغة:

    أبى غفلتي أنِّي إذا ما ذكرته   تحرَّك داء فـي فـؤادي داخل

    وهذا هو الظَّاهر، فيراد بالأمر في ﴿ ادْخُلُوا ﴾ الدَّوام على ذلك».

    وأمَّا إذا قلنا: إنَّ الإيمان أكمل من الإسلام لقوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [الحجرات: 14] فكيف يؤمر الأكمل بالانضمام إلى ما هو دونه؟!

    فالجواب: إنَّ الأمر بالدُّخول في الإسلام مقيَّد بقوله: ﴿ كَافَّةً ﴾، وللمفسِّرين فيها قولان:

    الأوَّل: أنَّ «كافَّة» حال من السِّلم، أي ادخلوا في الإسلام بجميع شرائعه ولا تتركوا منه شيئًا.

    الثَّاني: أنَّ «كافَّة» حال من الواو في قوله: ﴿ ادْخُلُوا ﴾ فيكون المعنى: ادخلوا أنتم جميعًا في الإسلام ولا يتخلَّف منكم أحد.

    والرَّاجح القول الأوَّل، قاله الشَّيخ ابن عثيمين في تفسير الآية من سورة البقرة (3/6) وعلَّل ذلك بـ «لأنَّنا لو قلنا بالمعنى الثَّاني: ادخلوا جميعًا في السِّلم صار معنى ذلك أنَّ بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام، وحينئذ فلا يصحُّ أن يوجَّه إليه النِّداء بوصف الإيمان، فالمعنى الأوَّل هو الصَّواب أنَّ «كافَّة» حال من السِّلم، يعني ادخلوا في الإسلام كلِّه، أي نفِّذوا أحكام الإسلام جميعًا ولا تدعوا شيئًا من شعائره ولا تفرِّطوا في شيء منها، وهذا مقتضى الإيمان، فإنَّ مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع شرائع الإسلام».

    عاشرًا: أنَّ ما ذكره كثير من المفسِّرين في سبب نزول الآية([23]) ـ وأنَّها نزلت في قوم من اليهود أرادوا أن يبقوا على بعض دينهم كتعظيم يوم السَّبت والقيام بالتَّوراة ليلًا فنهوا عن ذلك([24]) ـ يساعد على بيان المراد من السِّلم وأنَّه الإسلام؛ لأنَّه يصير معنى ﴿ ادْخُلُوا ﴾ أقيموا شعائر الإسلام ولا تشتغلوا بما عداها واتركوا ما أنتم عليه من الدِّين الَّذي لم يجئ به الإسلام([25]).

    وذهب بعضهم إلى أنَّ الآية نزلت في أهل الكتاب دُعوا وأُمروا بالدُّخول في الإسلام([26]).

    وعلى هذا فلا إشكال في حمل معنى السِّلم على الإسلام، ومن قال إنَّها نزلت في المنافقين فيكون خطابهم بلفظ الإيمان على معنى أظهروا الإيمان وإن كانوا على غير حقيقته، فأمرهم بالدُّخول في السِّلم الَّذي هو الإسلام أو الإيمان على الحقيقة لا اعتراض عليه([27]).

    فهذه عشرة أوجه ذُكرت في بيان معنى «السِّلم» الوارد في آية البقرة، وأنَّه الإسلام بجميع شرائعه، وترجيحه على المعنى الآخر الَّذي هو الصُّلح والمسالمة، انتُزِعت من كتب أهل العلم بالتَّأويل وخاصَّة من اعتنى منهم بجمع الأقوال وتحريرها والتَّرجيح بينها وبذكر الأدلَّة كابن جرير وابن كثير وابن تيمية والطَّاهر ابن عاشور والسِّعدي رحم الله الجميع ونفعنا بعلمهم.

    وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّه الأمين ومن اتَّبع هداه إلى يوم الدِّين.

     

     

    *   *   *

     

    ([1]) نُشر في مجلَّة «الإصلاح»: العدد (17)/ذو القعدة ـ ذو الحجة 1430هـ.

    ([2]) كما يوحي إليه كلام الشَّيخ الطَّاهر بن عاشور في «تفسيره» (2/276).

    ([3]) وهو ما يسمَّى ـ زعمًا ـ بالدَّعوة إلى وحدة الأديان!!

    ([4]) يطلق السِّلم على الصُّلح لغةً، كما يُحتَّم حمله على المعنى نفسه سياق الآيات السَّابق واللَّاحق؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا [الأنفال:61]، وقوله: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [محمد: 35].

    ([5]) وممَّن نسبه إلى الجمهور شيخ الإسلام في «المجموع» (7/266).

    ([6]) وقراءتها بالفتح صواب أيضًا؛ قرأ بها ابن كثير ونافع والكسائي.

    ([7]) نقل القرطبي في «الجامع» (3/23)، والطَّاهر بن عاشور في «التَّحرير والتَّنوير» (2/276) نقلًا عن المبرِّد أنَّه أنكر هذه التَّفرقة وقال: «اللُّغة لا تؤخذ هكذا وإنَّما تؤخذ بالسَّماع لا القياس، ويحتاج من فرَّق إلى دليل».

    ([8]) «لسان العرب» (12/295) ـ مادة سلم.

    ([9]) «تفسير ابن جرير» (3/597)، «التَّحرير والتَّنوير» (2/276).

    ([10]) البيت في «الدُّرِّ المصون» (2/359)، وقال محقِّقه: «لم أهتد إلى قائله».

    ([11]) انظر «البرهان» للزَّركشي (2/200) و«قواعد التَّفسير» لعثمان السَّبت (2/779)، و«فصول في أصول التَّفسير» لمساعد الطَّيَّار (ص43).

    ([12]) انظر «قواعد وفوائد لفقه كتاب الله» للجوعي (ص37).

    ([13]) راجع «تفسير الطَّبري» (3/603).

    ([14]) انظر «تفسير ابن أبي حاتم (2/371)، و«تفسير ابن جرير» (3/604).

    ([15]) انظر «تفسير ابن جرير» (3/604)، «فضائل القرآن» لأبي عبيد (24، 25).

    ([16]) «محاسن التَّأويل» للقاسمي (1/614).

    ([17]) «التَّفسير الكبير» للفخر الرَّازي (5/206).

    ([18]) كذا بالأصل، والصَّواب: «رقاب».

    ([19]) أفاده رشيد رضا في «تفسير المنار» (2/258).

    ([20]) ذكر الرَّازي في «تفسيره» ثمانية أجوبة لدفع هذا الإشكال ولا يخلو بعضها من نظر، فارجع إليه في (5/206) وما بعدها.

    ([21]) «القواعد الحسان» لعبد الرَّحمن بن سعدي (ص120).

    ([22]) «القواعد الحسان» لعبد الرَّحمن بن سعدي (ص119)، و«قواعد التَّفسير» لعثمان السَّبت (2/500).

    ([23]) لم يثبت من ذلك شيء يعتمد عليه.

    ([24]) راجع «تفسير ابن جرير» (3/599، 600)، و«تفسير ابن كثير» (1/568)، و«الاستيعاب في بيان الأسباب» (1/148).

    ([25]) «تفسير ابن جرير» (3/600)، و«تفسير ابن كثير» (1/570)، و«الدُّرّ المنثور» (2/491)، و«التَّحرير والتَّنوير» (2/277) وما بعدها.

    ([26]) راجع «تفسير ابن جرير» (3/600).

    ([27]) نفى صاحب «التَّحرير والتَّنوير» أن يكون الخطاب موجَّهًا للمنافقين؛ لأنَّه على قوله: إنَّ النِّداء بـ «يا أيُّها الَّذين آمنوا» صار كاللَّقب لمن اتَّبع الدِّين حقًّا، ولأنَّ الظَّاهر على هذا أن يثبت للمنافقين وصف الإسلام ويطلب منهم الإيمان دون العكس بدليل قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾؛ وهذا تنبيه في محلِّه.

    (عدد المشاهدات 876 )

يُبث في الإذاعة

البثّ المباشر غير متوفر

جديد الموقع

موعظة الأسبوع

قالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ -رحمه الله- : «إذا حضرت مجْلِس علمٍ فَلا يكن حضورك إِلاّ حُضُور مستزيدٍ علمًا وَأَجرًا، لا حُضُور مستغنٍ بِمَا عنْدك طَالبًا عَثْرَة تشيعها أَو غَرِيبَةً تشنِّعها، فَهَذِهِ أَفعَال الأرذال الَّذين لا يفلحون فِي الْعلم أبد

اقرأ المزيد

مؤلفات الشّيخ

زوّار الموقع

-  الجزائر (69014)
-  الولايات المتحدة (8054)
-  فرنسا (5758)
- غير معروف (4134)
-  المغرب (1621)
-  مصر (1443)
-  المملكة المتحدة (1362)
-  السعودية (1296)
-  ليبيا (1233)
-  ألمانيا (1220)
-  تونس (983)
-  روسيا (890)
-  الصين (789)
-  أيرلندا (608)
-  العراق (477)
-  النرويج (333)
-  كندا (332)
-  هولندا (273)
-  تركيا (263)
-  الإمارات العربية المتحدة (235)
-  الأردن (212)
-  أوكرانيا (203)
-  إسبانيا (180)
-  بلجيكا (173)
-  فلسطين (147)
-  السودان (137)
-  البرازيل (135)
-  قطر (118)
-  اليابان (103)
-  لبنان (87)
-  سوريا (86)
-  الكويت (84)
-  جمهورية التشيك (80)
-  عمان (77)
-  اليمن (66)
-  إندونيسيا (65)
-  السويد (60)
-  سويسرا (59)
-  هونغ كونغ (52)
-  الهند (44)
-  ماليزيا (43)
-  رومانيا (37)
-  أستراليا (30)
-  البحرين (30)
-  الكاميرون (28)
-  باكستان (28)
-  بولندا (28)
-  سنغافورة (27)
-  إيران (26)
-  موريتانيا (25)
-  فيتنام (25)
-  الدنمارك (23)
-  ساحل العاج (19)
-  فنلندا (19)
-  سلوفاكيا (19)
-  بلغاريا (18)
-  الصومال (18)
-  تايلاند (18)
-  مالي (16)
-  اليونان (15)
-  كازاخستان (15)
-  لوكسمبورغ (15)
-  السنغال (15)
-  النمسا (14)
-  مولدوفا (14)
-  صربيا (14)
-  الفلبين (13)
-  لاتفيا (12)
-  البرتغال (12)
-  تايوان (12)
-  النيجر (11)
-  نيجيريا (11)
-  جنوب أفريقيا (11)
-  تانزانيا (11)
-  كرواتيا (10)
-  كوريا الجنوبية (10)
-  الغابون (9)
-  كينيا (9)
-  المكسيك (9)
-  ألبانيا (8)
-  المجر (8)
-  جيبوتي (6)
-  غينيا الاستوائية (6)
-  أرمينيا (5)
-  روسيا البيضاء (5)
-  كولومبيا (5)
-  غينيا (5)
-  ليتوانيا (5)
-  نيوزيلندا (5)
-  الأرجنتين (4)
-  بنغلاديش (4)
-  بنين (4)
-  لا ريونيون (4)
-  الإكوادور (3)
-  غامبيا (3)
-  آيسلندا (3)
-  ليبيريا (3)
-  موريشيوس (3)
-  سريلانكا (3)
-  أوزبكستان (3)
-  أفغانستان (2)
-  أذربيجان (2)
-  بوركينا فاسو (2)
-  تشيلي (2)
-  جمهورية الكونغو (2)
-  إثيوبيا (2)
-  جورجيا (2)
-  غانا (2)
-  هندوراس (2)
-  قيرغيزستان (2)
-  مايوت (2)
-  فنزويلا (2)
-  أندورا (1)
-     أنغولا (1)
-  باهاماس (1)
-  البوسنة والهرسك (1)
-  قبرص (1)
-  إستونيا (1)
-  جبل طارق (1)
-  غواتيمالا (1)
-  مقدونيا (1)
-  جزر المالديف (1)
-  مالطا (1)
-  منغوليا (1)
-  موزمبيق (1)
-  كاليدونيا الجديدة (1)
-  توغو (1)
-  الأوروغواي (1)
-  زامبيا (1)
103341 زائرًا من 129 دولة
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عزالدين رمضاني © 2018