كلمة في الأحداث

    طباعة المقال  طباعة المقال

     لا يخفى على أحدٍ أنَّ أوطان أهل الإسلام في هذه الأيَّام تعيش حالًا عصيبًا وجوًّا كئيبًا, وتمرُّ بمحنةٍ اشتدَّت نارها اشتعالًا ولهيبًا, من خلال موجات الاحتجاجات المتزايدة, والدَّعوة إلى الاعتصام والمظاهرات في الشَّوارع والسَّاحات العامَّة, وكاد أن يكون هذا المظهر مألوفًا, ومطلب أهله معروفًا.

    ولكن إلى أيِّ مدى يمكن قبول مثل هذا التَّصعيد المؤدِّي إلى سفك الدِّماء ونهب الممتلكات, وسلب الأرزاق, وترويع الآمنين, وتعريض الشَّباب إلى المخاطر والمجازفات, وإقحامه في معارك لا يكون هو الغانم فيها قطعًا, فإنَّه كما قيل: «الثَّورات يخطِّط لها العقلاء ويقوم بها المجانين ويستفيد منها الجبناء»؟!

    ولسنا ننقم على السَّاسة خوضهم في هذه الأحداث؛ لأنَّها مرتعهم الَّذي فيه يسرحون, ومن علفها يجترُّون, ولا على أهل الإعلام تغطيتهم لما يجري؛ لأنَّها مادَّة صناعتهم الَّتي تسيل منها أقلامهم, وتمتلئ بها صحفهم وقنواتهم.

    بل ولا ننقم على أعداء الأمَّة المتربِّصين بها من الكفرة وأتباعهم تتبُّعَهم لما وقع وسيقع من تقلُّباتٍ وتغيُّراتٍ في خريطة العالم الإسلامي؛ فإنَّهم كما قال الله فيهم: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ[آل عمران: 118].

    ولكن ما يثير الدَّهشة والاستغراب, ويُدخِل على النُّفوس الحزن والاكتئاب: عودة وجوهٍ تُوسَم بـ: «الوجيهة» إلى واجهة الأحداث وبالوجه المعروفة به, والتَّوجُّه الَّذي تؤمن به وتسير عليه, تُبارِك مظاهر الاحتجاجات والمسيرات, وتؤجِّج فتيل الانفلات والثَّورات, مزكِّيةً أفعالها وخططها, مضفية عليها ألقاب الفخر والمجد, مانحة إيَّاها أوسمة الشَّرف وشارات البطولة, دافعةً بها إلى المهول والمجهول، «ثورة مباركة, دماء زكيَّة, شعب عظيم, شباب يريد التَّغيير…» إلى غير ذلك من الشِّنشنة الَّتي بها يعرفون, وبلحنها دومًا يترنَّمون.

    وليت العجب يقف بنا عند هذا الحدِّ! فإنَّه سرعان ما توارد الإنكار على هؤلاء وتوالى, وارتفع الحقُّ وتعالى, قام آخرون ـ ولا ندري بأيِّ لسانٍ يتكلَّمون وفي أيِّ صفٍّ يقفون ـ يلتمسون لهم الأعذار, ويبحثون في أرشيف ماضيهم ما يحفظ لهم ماء الوجه, ويردُّ لهم الاعتبار, فوجدوا ما ظنُّوا أنَّه به يُسكِتون صوت النَّاقمين والنَّاقدين, فقالوا عنهم إنَّهم يصرِّحون بأنَّ التَّغيير لا يكون بالمظاهرات والمسيرات, وحشد الجماهير تحسُّبًا للمواجهات, وإنَّما يكون بتغيير ما في النُّفوس والعودة بها إلى رحاب التَّديُّن, وهذا تعارض وتناقض في القول والعمل, وقد عُلِم من قواعد الشَّرع الحنيف أنَّ المتأخِّر ينسخ المتقدِّم, فبأيِّ القولين نأخذ؟ وعلى أيِّ منهجٍ نسير؟ فللعقلاء أن يتأمَّلوا ثمَّ يحكموا.

    ومن هنات القوم المُعذِرين في المُعتذَر لهم: أنَّهم دعاة يُنظر إليهم ويُنتظر منهم وقد أُقحِموا, وسُئِلوا فتكلَّموا, ثمَّ هم أبناء الشَّعب وقد استغاث بهم! أفلا يُغاث الملهوف ويُسمع للمظلوم ويُؤخذ على يد الظَّالم؟ وهل من المعقول ورجحان الحكمة أن يقفوا ضدَّ التِّيَّار الجارف في محاولة يائسة لإيقافه أو تغيير مساره؟

    وجوابًا على ما ذُكِر, وإبطالًا لما عنه اعتُذِر, يقال: من الَّذي أقحمكم الميدان ومنحكم التَّفويض لولا جرأتكم وحرصكم على الظُّهور والبروز؟ تتلهَّفون وراء القنوات للوصول إلى مخاطبة الجماهير وتحريك عواطف الشَّباب منهم بلغةٍ كلُّها تهييج وتهريج.

    ولماذا تكلَّمتم حين سُئلتم؟ لمَ لَمْ تثبتوا على نهجكم فتُردِّدوا لهم مقولكم في مثل هذه المظاهرات والمسيرات وحكمكم عليها؟ أو على الأقلِّ إن خفتم أن ينالكم سوء يزيل عنكم لمعان الشُّهرة أن تسكتوا ولو إلى حين؟ فقد وسع السُّكوت في النَّوازل والفتن، وفي خضمِّ الأحداث المتسارعة قوم ليسوا بجبناء ولا جهلاء، بل كانوا علماء حلماء، عصمهم العلم وزيَّنهم الحلم من أن يفتئتوا على الأمَّة، ويجرُّوا بأذيال أبناءها إلى حيث يلقون حتفهم وموتهم.

    إنَّ على دعاة الحقِّ وكلِّ مَنْ رام عزًّا لهذه الأمَّة المرحومة ورجا لأبناءها سلامةً وسعادة ورُشْدًا، وفي طليعتهم هؤلاء الشَّباب ـ الَّذي يريد البعض أن يصعد على أكتافهم ليبني قصرًا ولو هدَّم مصرًا، أو أحرق «مصرَ» ـ أن يتَّقوا الله فيهم، وأن لا يغشُّوهم في النُّصح، وأن يأخذوا بأيديهم إلى شاطئ النَّجاة وبرِّ الأمان بتبصُّر ويقظة وحكمة وتعقُّل، يدفع عنهم التَّهوُّر والطَّيْش، والارتماء في أحضان المتلاعبين بمصالح الأمَّة وأمنها واستقرارها، فإنَّنا كثيرًا ما نستبطئ النَّصر والتَّمكين، ونعيش وساوسَ وهذيان تؤمِّلنا في الفتح المبين، والله تعالى يحبس عن المُعْرِض عطاءه، ويكشف عن الدَّعيِّ غطاءه، وينصر الحقَّ، ويمتحن الخلق، وينصب صراطًا يعبر عليه النَّاس في العاجلة قبل عبورهم على صراط الآجلة، ويعجل لهم عقوبة الدُّنيا قبل خزي الآخرة.

    إنَّ على النَّاس أن يعلموا أنَّ سنَّة الله في التَّغيير تقتضي أن يغيِّر النَّاس ما في أنفسهم أوَّلًا, فالله تعالى لا يسلب قومًا نعمةً أنعمها عليهم حتَّى يغيِّروا ما كانوا عليه من الطَّاعة والعمل الصَّالح: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11].

    وهذه الآية أفادت أنَّ التَّغيير تغييران:

    1ـ تغيير القلب والعمل, وهو على العبد بتوفيق الله تعالى له ولطفه به, ويشمل كلَّ شيء, بدءًا من التَّغيير في العقيدة إلى إماطة الأذى عن الطَّريق, مرورًا بإصلاح القلوب الَّتي صدأت, والعبادات الَّتي انحرفت, والأخلاق الَّتي ساءت, والمناهج الَّتي كسدت.

    2ـ تغيير الواقع والحال, وهو على الرَّبِّ سبحانه, لا بقوَّتنا وبأسنا وتدبيرنا.

    والتَّغييران متتاليان, لا يتحقَّق الثَّاني إلَّا بتحقيق الأوَّل شرطًا, يفسِّره قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7], ومن عَكَسَ يناله قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: 165].

    فالتَّغيير الَّذي نريده هو التَّغيير الَّذي يمتدُّ إلى البواطن والعقليَّات, لا التَّغيير الَّذي يكتفي بالظَّواهر والشَّكليَّات, تغييرٌ تستقيم فيه النُّفوس على طاعة مولاها وخالقها, وتصلح ما بينها وبين الله تعالى لإقامة التَّوحيد وتحكيم الشَّرع, لينشأ عندنا جيلٌ متلائم الأذواق, متَّحد المشارب, مضبوط النَّزعات, صحيح النَّظرة إلى الحياة.

    إنَّ السُّنن الرَّبَّانيَّة في الأمم والأفراد لا تتخلَّف, وقد قضت أنَّه لا بقاء ولا تمكين إلَّا للصَّالح, عرف هذا من عرفه, وجهله من جهله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) [الأعراف], ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)[الأنبياء].

    نسأل الله الكريم ربَّ العرش العظيم أن يردَّ هذه الأمَّة إلى الإسلام ردًّا جميلًا، وأن يهدينا صراطًا مستقيمًا، وأن يهيِّء لها أمر رشد يعزُّ فيه وليه ويذلُّ فيه عدوُّه، وأن يجعل يومها خيرًا من أمسها، وغدها أفضل من يومها؛ إنَّه على كلِّ شيء قدير، وبالإجابة جدير.

    *   *   *

    ([1]) نشر في مجلَّة «الإصلاح»: العدد (24)/محرَّم ـ صفر 1432هـ.

    (عدد المشاهدات 1117 )

يُبث في الإذاعة

البثّ المباشر غير متوفر

جديد الموقع

موعظة الأسبوع

قالَ الإمامُ ابنُ حزمٍ -رحمه الله- : «إذا حضرت مجْلِس علمٍ فَلا يكن حضورك إِلاّ حُضُور مستزيدٍ علمًا وَأَجرًا، لا حُضُور مستغنٍ بِمَا عنْدك طَالبًا عَثْرَة تشيعها أَو غَرِيبَةً تشنِّعها، فَهَذِهِ أَفعَال الأرذال الَّذين لا يفلحون فِي الْعلم أبد

اقرأ المزيد

مؤلفات الشّيخ

زوّار الموقع

-  الجزائر (74992)
-  الولايات المتحدة (9009)
-  فرنسا (6007)
- غير معروف (4436)
-  المغرب (1703)
-  مصر (1584)
-  المملكة المتحدة (1447)
-  السعودية (1388)
-  ألمانيا (1373)
-  ليبيا (1287)
-  تونس (1039)
-  روسيا (1033)
-  الصين (882)
-  أيرلندا (673)
-  العراق (495)
-  كندا (364)
-  النرويج (351)
-  هولندا (296)
-  تركيا (276)
-  أوكرانيا (274)
-  الإمارات العربية المتحدة (261)
-  الأردن (224)
-  إسبانيا (196)
-  بلجيكا (185)
-  السودان (168)
-  فلسطين (149)
-  البرازيل (142)
-  قطر (138)
-  اليابان (105)
-  الكويت (95)
-  لبنان (90)
-  سوريا (89)
-  إندونيسيا (85)
-  جمهورية التشيك (83)
-  عمان (83)
-  اليمن (77)
-  السويد (71)
-  سويسرا (65)
-  هونغ كونغ (54)
-  الهند (48)
-  ماليزيا (44)
-  رومانيا (44)
-  أستراليا (33)
-  بولندا (33)
-  ساحل العاج (32)
-  سنغافورة (31)
-  البحرين (30)
-  الكاميرون (30)
-  باكستان (30)
-  إيران (29)
-  فيتنام (29)
-  الدنمارك (28)
-  موريتانيا (25)
-  الصومال (25)
-  بلغاريا (21)
-  فنلندا (21)
-  سلوفاكيا (20)
-  تايلاند (20)
-  اليونان (19)
-  نيجيريا (18)
-  مالي (17)
-  مولدوفا (17)
-  السنغال (17)
-  النمسا (16)
-  كازاخستان (16)
-  البرتغال (16)
-  لوكسمبورغ (15)
-  صربيا (14)
-  تانزانيا (14)
-  كوريا الجنوبية (13)
-  النيجر (13)
-  الفلبين (13)
-  لاتفيا (12)
-  تايوان (12)
-  جنوب أفريقيا (11)
-  كرواتيا (10)
-  المجر (10)
-  كينيا (10)
-  المكسيك (10)
-  ألبانيا (9)
-  الغابون (9)
-  أرمينيا (6)
-  روسيا البيضاء (6)
-  جيبوتي (6)
-  غينيا الاستوائية (6)
-  الأرجنتين (5)
-  كولومبيا (5)
-  غينيا (5)
-  ليتوانيا (5)
-  نيوزيلندا (5)
-  بنغلاديش (4)
-  بنين (4)
-  قيرغيزستان (4)
-  لا ريونيون (4)
-  بوركينا فاسو (3)
-  الإكوادور (3)
-  غامبيا (3)
-  آيسلندا (3)
-  ليبيريا (3)
-  موريشيوس (3)
-  سريلانكا (3)
-  أوزبكستان (3)
-  أفغانستان (2)
-  أذربيجان (2)
-  تشيلي (2)
-  جمهورية الكونغو (2)
-  إثيوبيا (2)
-  جورجيا (2)
-  غانا (2)
-  هندوراس (2)
-  مايوت (2)
-  فنزويلا (2)
-  أندورا (1)
-     أنغولا (1)
-  باهاماس (1)
-  البوسنة والهرسك (1)
-  كوستاريكا (1)
-  قبرص (1)
-  إستونيا (1)
-  جبل طارق (1)
-  غواتيمالا (1)
-  مقدونيا (1)
-  جزر المالديف (1)
-  مالطا (1)
-  منغوليا (1)
-  موزمبيق (1)
-  بورما (1)
-  كاليدونيا الجديدة (1)
-  بورتوريكو (1)
-  سيشل (1)
-  توغو (1)
-  الأوروغواي (1)
-  زامبيا (1)
112283 زائرًا من 133 دولة
جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ عزالدين رمضاني © 2018